أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

570

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

على الصحيح فلا بدّ من شيء يقوم مقام الفاعل وهو الجارّ بعده ، وعلى هذا فيكون التقدير : بلّغ الإنزال ، ولكنّ الإنزال لا يبلّغ فإنه معنى ، إلا أن يراد بالمصدر أنه واقع موقع المفعول به ، ويجوز أن يكون المعنى : « اعلم بتبليغ الإنزال » فيكون مصدرا على بابه . قوله تعالى : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ أي : وإن لم تفعل التبليغ ، فحذف المفعول به ولم يقل : « وإن لم تبلّغ فما بلّغت » لما تقدم في قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا « 1 » في البقرة ، والجواب لا بد أن يكون مغايرا للشرط لتحصل الفائدة ، ومتى اتّحدا اختلّ الكلام ، لو قلت : « إن أتى زيد فقد جاء » لم يجز ، وظاهر قوله تعالى : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ اتحاد الشرط والجزاء ، فإن المعنى يؤول ظاهرا إلى : وإن لم تفعل لم تفعل . وأجاب الناس عن ذلك بأجوبة أسدّها ما قاله الأستاذ أبو القاسم الزمخشري ، وقد أجاب بجوابين : أحدهما : أنه إذا لم يمتثل أمر اللّه في تبليغ الرسالات وكتمها كلّها كأنه لم يبعث رسولا كان أمرا شنيعا لاخفاء بشناعته ، فقيل : إن لم تبلغ أدنى شيء وإن كلمة واحدة فكنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلّها ، كما عظّم قتل النفس في قوله : فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً « 2 » . والثاني : أن يراد : وإن لم تفعل ذلك فلك ما يوجب كتمان الوحي كلّه من العقاب فوضع السبب موضع المسبّب ، ويؤيده : « فأوحى اللّه إليّ إن لم تبلّغ رسالاتي عذّبتك » . وأجاب ابن عطية فقال : « أي : وإن تركت شيئا فقد تركت الكل وصار ما بلّغت غير معتدّ به ، فمعنى « وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ » : « وإن لم تستوف » ، ونحو هذا قول الشاعر : 1775 - سئلت فلم تبخل ، ولم تعط نائلا ، * فسيّان لا حمد عليك ولا ذمّ « 3 » أي : فلم تعط ما يعدّ نائلا ، وإلا يتكاذب البيت ، يعني بالتكاذب أنه قد قال : « فلم تبخل » فيتضمن أنه أعطى شيئا ، فقوله بعد ذلك : « ولم تعط نائلا » لو لم يقدّر نائلا يعتدّ به تكاذب . وفيه نظر فإن قوله « لم تبخل ولم تعط » لم يتواردا على محلّ واحد حتى يتكاذبا ، فلا يلزم من عدم التقدير الذي قدّره ابن عطية كذب البيت ، وبهذا الذي ذكرته يتبيّن فساد قول من زعم أنّ هذا البيت ممّا تنازع فيه ثلاثة عوامل : سئلت وتبخل وتعط ، وذلك لأن قوله : « ولم تبخل » على قول هذا القائل متسلط على « طائل » فكأنه قيل : فلم تبخل بطائل ، وإذا لم يبخل به فقد بذله وأعطاه فيناقضه قوله بعد ذلك . « ولم تعط نائلا » . وقد أفسد ابن الخطيب الرازي الجواب المتقدم واختار جوابا من عنده فقال : « أجاب الجمهور ب « إن لم تبلّغ واحدا منها كنت كمن لم يبلّغ شيئا » . وهذا ضعيف ، لأنّ من ترك البعض وأتى بالبعض فإن قيل : إنه ترك الكلّ كان كاذبا ، ولو قيل : إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل الجرم في ترك الكل فهذا هو المحال الممتنع ، فسقط هذا الجواب ، والأصحّ عندي أن يقال : خرج هذا الجواب على قانون قوله : 1776 - أنا أبو النّجم وشعري شعري « 4 »

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 24 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 32 ) . ( 3 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 529 ) . ( 4 ) البيت لأبي النجم انظر الخصائص ( 3 / 337 ) ، ابن